يحيى العامري الحرضي اليماني
611
غربال الزمان في وفيات الأعيان
ولما سافرت أول مرة إلى اليمن تلقاني إلى الساحل في جمع من فقرائه وجيرانه ، فرأيته قد تغير حاله ووصفه الذي أعهد ، ظاهره قد كسي بملابس الأنوار ، وباطنه خزانة الأسرار ، وقلت في ذلك مستعبرا للبيت الثاني : لقد حتى لي يا هند أنشد في الهوى * ولاق بحالي حين جا سيدي عندي خليلي هل أبصرتما أو سمعتما * بأكرم من مولى يجيء إلى عبد قال : ثم سافرت المرة الثالثة فرأيت ما أدهش عقلي ، وذكر كلاما كثيرا معناه أنه رأى المواهب الإلهية قد ترافدت عليه وتكاثرت ، وأشار إلى أنه يجري على لسانه في حال غيبته ما يريده اللّه ليسمعه جليسه ليس باختيار منه ، وأما في حال الصحو فهو في نهاية المحو ينكر ذلك ، ولا يظهر شيئا أصلا لا علما ولا حالا ، اللهم إلا مجالس تكلم فيها معي في حال الصحو وكشف الخمار عن كثير من الأسرار ، وأطال البسط معي في ثلاثة مجالس : الأول للإيناس والتأليف ، والثاني تأديب وتخويف « 1 » . والثالث تبشير « 2 » وتعريف على ما سبق به القضاء من تقدير وتصريف ، وهذا المجلس الثالث هو الذي أشرت إليه بقولي فيه : ولا سيما يوما أغرّ مباركا * به اليمن والبشرى بتبليغ منيتي ولعل كثيرا من الناس لهم معه مجالسة كثيرة ولا يظهر لهم منه شيء . وحكى رحمه اللّه قصيدته التي امتدحته بها وما فيها من الاستعارات وحسن التغزل ، ومفتتحها : تخلفت يوم البين عنهم بجثتي * وراحوا بقلبي يوم بانت أحبتي وناديت والركب اليماني راحل * وعندي مقيم في الحشا حر لوعتي خليليّ سيرا بلغاني أحبتي * إلى عند سكان الربوع البهية إذا جئتما خلّي ابن يعقوب يمنا * قليلا إلى حيث السعادات حلّت
--> ( 1 ) كذا في مرآة الجنان 4 / 313 ، وفي النسكتين : تأديب وتخفيف . ( 2 ) كذا في مرآة الجنان 4 / 313 ، وفي النسختين : تشبه .